التهاب الجيوب الأنفية المزمن: المفهوم والخصائص
يُعرف التهاب الجيوب الأنفية المزمن بأنه التهاب يستمر في تجاويف الأنف والجيوب لأكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر. يتطور هذا المرض غالباً نتيجة عدم علاج التهاب الجيوب الحاد، أو معالجته بشكل جزئي وغير كامل.
يؤدي هذا الالتهاب إلى ضرر دائم يتجسد في إصابة الأغشية المخاطية للجيوب، وإلحاق الضرر بخلل أداء الأهداب وطبقة المخاط؛ حيث يؤدي ثبات المخاط وعدم تحركه إلى تلوثه بسهولة، ما لم يُعالج جراحياً لتسليك جهاز الرشح والتهوية المسدود.
طبيعة الأعراض والأشكال المرضية
قد يظهر المرض بشكل طفيف لفترة طويلة، أو يتفجر بين الحين والآخر على شكل نوبات حادة. وفي شكله الحاد، قد يعاني المريض من الأعراض التالية (سواء ظهرت منفردة أو مجتمعة):
النزلة والبلغم المتقيح.
آلام في الرأس والوجه.
السعال المصحوب بالبلغم.
انسداد الأنف.
ملاحظة: لا يترافق المرض في شكله المزمن مع ارتفاع في درجة الحرارة.
العوامل المثيرة والأسباب
تتعدد الأسباب وعوامل الخطر التي تؤدي إلى تطور التهاب الجيوب الأنفية المزمن أو تحفيزه:
المحفزات والعوامل المسببة
المسببات التحسسية والتشريحية: النزلة التحسسية، السلائل (Polyp) الأنفية، إعوجاج حاجز الأنف، وتضخم المحارة الأنفية المتوسطة.
الاضطرابات الوظيفية والمرضية: اضطرابات أداء الأهداب، التليف الكيسي لدى الأطفال، انسداد الرشح الناتج عن تورم اللوز واللوز البلعومية، وضرر جهاز المناعة.
عوامل خارجية وأخرى: الرضح الضغطي (الناجم عن تغيرات الضغط)، التهاب جذور الأسنان الممتد من جيب الفك العلوي، والجزر المعدي المريئي الذي يؤكد البعض أن له دوراً هاماً في تطور المرض.
المسببات الميكروبية
تُعد الجراثيم اللاحيوائية (اللاهوائية) والجراثيم السالبة غرام المسبب النموذجي للمرض. وفي حالات أكثر ندرة، قد يكون المسبب ملوثاً مزمناً مثل الكرات الفطرية أو التهاب الجيوب الفطري الأرجاني.
مضاعفات التهاب الجيوب الأنفية المزمن
تصنف المضاعفات الناجمة عن المرض إلى ثلاث مجموعات رئيسية، وتحتم جميعها المكوث في المستشفى لتلقي مضادات حيوية بالوريد لفترة طويلة، أو التدخل الجراحي (تنظيرياً أو خارجياً):
1. المضاعفات الموضعية
الكيسة المخاطية أو القيحية (Mucocelle) التي تتطور داخل الجيب.
التهاب العظم.
2. مضاعفات مقلة العين
الوذمة الالتهابية للجفون.
الوذمة الالتهابية للنسيج الدهني داخل محجر العين.
الخراج تحت السمحاق والخراج الحجاجي.
خثار الجيب الكهفي.
3. المضاعفات الدماغية
التهاب السحايا.
الخراج فوق الجافية والخراج تحت الجافية.
الخراج الدماغي.
تشخيص المرض
يعتمد أخصائي الأنف والأذن والحنجرة في تقييم الحالة وتحديد أمان ومكان الجراحة على وسائل الفحص التالية:
الفحص الجسدي والتنظيري: قد لا يظهر الفحص الجسدي أي تحسس في الجبين أو الجيون أو زاوية العين، بينما يكشف الفحص بالتنظير الداخلي لداخل الأنف عن وجود نزلة متقيحة، سلائل أنفية، انحراف بالحاجز الأنف، أو تضخم بالمحارات. كما يظهر فحص البلعوم أحياناً بلغماً مخاطياً قيحياً.
التصوير المقطعي المحوسب (CT): يُستخدم كبديل للأشعة السينية العادية للتعرف على مدى تأثر الجيوب، والضرر العظمي، وجود السلائل، انحراف الحاجز، والمحارات الفقاعية. كما يعتمد عليه الجراح كخريطة توضح المسار الأكثر أماناً للجراحة.
طرق العلاج
تتنوع الخيارات العلاجية بين العلاج الدوائي والتدخلات الإجرائية والجراحية:
العلاج الدوائي
المضادات الحيوية: يتم اختيارها وفقاً لحساسية الجراثيم في المستنبت أو انتشارها الإحصائي. يُوصى باستخدام أوجمنتين (Augmentin) أو سيفوروكسيم (Zinnat)، ويزيد إضافة الميترونيدازول أو الكلينداميسين من نجاعة العلاج. تُعطى الأدوية فموياً أو بالوريد في المستشفى، ويبدأ التحسن غالباً خلال 48 إلى 72 ساعة.
مقلصات الأغشية المخاطية: تُستخدم كقطرات أنف أو أقراص.
مضادات الحساسية: يُوصى بها في حال وجود تحسس في الأغشية المخاطية الأنفية.
الستيرويدات: تُؤخذ فموياً أو بالحقن العضلي لتقليص الأغشية المخاطية وتحسين التهوية وامتصاص السلائل، لكن السلائل قد تعود للتطور مجدداً خلال أشهر معدودة.
الإجراءات المباشرة والجراحية
شفط المحتوى القيحي وغسل الجيب: في حال ترافق التهاب جيب الفك العلوي بألم حاد لا يستجيب للعلاج، يمكن إدخال إبرة غليظة وطويلة بعد التخدير الموضعي لشفط القيح وغسل الجيب وأخذ عينة للمختبر.
الجراحة التنظيرية الجوف أنفية: تُعد التوجه المركزي والعلاجي الأساسي بهدف تحسين التهوية والرشح واستئصال السلائل والعقبات التشريحية. وقد حلت الجراحة التنظيرية محل الجراحة الخارجية لما تتميز به من إحياء الأداء الطبيعي للأنف دون ندبات خارجية، وتقليل نسبة انتشار المرض، وتقصير فترة المكوث بالمستشفى، بالإضافة إلى تقليل التكلفة المادية.